الخميس ٠١ / يناير / ٢٠٢٦
من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

سامي محمود يكتب: وصايا لقمان في زمن التيه والضياع

سامي محمود يكتب: وصايا لقمان في زمن التيه والضياع
صدي بني سويف

في الأزمنة التي يثقل فيها الضجيج على السمع، وتتزاحم الصور حتى ترهق البصيرة، وتضيع المعاني في زحام الشعارات، يعود الإنسان، مهما ابتعد، باحثًا عن كلمة صادقة، وعن حكمة لا تخونه، وعن نور لا يخفت. وحين تشتد الحاجة، لا يكون الرجوع إلا إلى القرآن الكريم، ذلك الكتاب الذي لا يمنحك الإجابة فحسب، بل يعيد صياغة السؤال، ويهذب الروح قبل أن يقنع العقل.

ومن بين سوره التي تخاطب الإنسان بوصفه إنسانًا، لا رقمًا ولا أداة، تبرز سورة لقمان، لا باعتبارها سردًا تاريخيًا، بل باعتبارها ميثاقًا أخلاقيًا، ومنهج تربية، ودستور حياة، صاغه الحكيم لقمان في وصايا قصيرة في مبناها، عظيمة في معناها، ممتدة الأثر عبر العصور.

يقول الله تعالى:

"ولقد آتينا لقمان الحكمة أن اشكر لله، ومن يشكر فإنما يشكر لنفسه، ومن كفر فإن الله غني حميد"

(سورة لقمان – الآية 12)

الحكمة، كما يقدمها القرآن، ليست ترفًا فكريًا، ولا زخرفًا لغويًا، بل وعي عميق يبدأ بالشكر، لأن من عرف المنعم لم يضل الطريق. قال الإمام الغزالي: الحكمة نور يقذفه الله في القلب، فيرى به العبد الحق حقًا والباطل باطلًا. وقال سهل بن عبد الله التستري: من لم يشكر النعمة، عرضها للزوال.

ثم تبدأ الوصايا في أبهى صورها: أب يخاطب ابنه، لا من مقام السلطان، بل من مقام الرحمة:

"وإذ قال لقمان لابنه وهو يعظه يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم"

(سورة لقمان – الآية 13)

التوحيد هو أصل النجاة، وهو تحرير القلب من كل ما سواه. والشرك، في حقيقته، ليس صنمًا يعبد فحسب، بل كل ما يستولي على القلب فيزاحم الله. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

"حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا"

(متفق عليه).

ومن حق الله ينتقل الخطاب إلى حق الإنسان الأقرب، في مشهد تتجلى فيه الرحمة الإلهية بأبهى صورها:

"ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهنًا على وهن، وفصاله في عامين، أن اشكر لي ولوالديك، إلي المصير"

(سورة لقمان – الآية 14)

إنه اعتراف بالفضل، وتذكير بجذور الرحمة الأولى. وقال النبي صلى الله عليه وسلم:

"رضا الرب في رضا الوالد، وسخط الرب في سخط الوالد"

(رواه الترمذي).

لكن القرآن لا يقدم أخلاقًا بلا وعي، بل يرسخ ميزانًا دقيقًا بين الثبات والبر:

"وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما، وصاحبهما في الدنيا معروفًا، واتبع سبيل من أناب إلي، ثم إلي مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون"

(سورة لقمان – الآية 15)

هنا يتجلى أدب الخلاف، ورقي التعامل، حيث لا قطيعة ولا قسوة، ولا تنازل عن العقيدة.

ثم تهبط الوصية إلى عمق الضمير الإنساني:

"يا بني إنها إن تك مثقال حبة من خردل فتكن في صخرة أو في السماوات أو في الأرض يأت بها الله، إن الله لطيف خبير"

(سورة لقمان – الآية 16)

إنها تربية على المراقبة، وبناء لضمير لا ينام. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

"اتق الله حيثما كنت"

(رواه الترمذي).

ثم تأتي الصلاة، بوصفها عمود الحياة الروحية:

"يا بني أقم الصلاة"

(سورة لقمان – الآية 17)

الصلاة ليست واجبًا فحسب، بل ملاذًا. وقال النبي صلى الله عليه وسلم:

"أرحنا بها يا بلال"

(رواه أبو داود).

ومن تزكية الفرد إلى إصلاح المجتمع:

"وأمر بالمعروف وانه عن المنكر، واصبر على ما أصابك، إن ذلك من عزم الأمور"

(سورة لقمان – الآية 17)

إنه إصلاح بالحكمة، وصبر على الأذى، وثبات بلا ضجيج. وقال الإمام مالك: ما كان الرفق في شيء إلا زانه.

ثم يحذر لقمان من آفة القلوب:

"ولا تصعر خدك للناس ولا تمش في الأرض مرحًا، إن الله لا يحب كل مختال فخور"

(سورة لقمان – الآية 18)

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

"لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر"

(رواه مسلم).

وتختم الوصايا بنداء الجمال والسكينة:

"واقصد في مشيك واغضض من صوتك، إن أنكر الأصوات لصوت الحمير"

(سورة لقمان – الآية 19)

هكذا تكتمل المنظومة: توحيد، وبر، ووعي، ومراقبة، وصلاة، وإصلاح، وتواضع، وجمال سلوك. قال ابن عطاء الله السكندري: من لم يؤدب ظاهره بالحكمة، ابتلي في باطنه بالحرمان.

وفي زمن التيه والضياع، تعود وصايا لقمان لا لتقرأ، بل لتعاش، لا لتحفظ، بل لتمارس، بوصفها طريقًا للنجاة، وجسرًا بين الإيمان والحياة، ورسالة خالدة تقول للإنسان:

ما دام القلب حيًا، فالهداية ممكنة، والطريق لا يزال مفتوحًا.